العودة   ملتقى نسائم العلم > ملتقى القرآن والتفسير > ملتقى القرآن والتفسير

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #31  
قديم 12-07-2022, 08:54 PM
الصورة الرمزية أم أبي التراب
أم أبي التراب أم أبي التراب غير متواجد حالياً
غفر الله لها
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 4,114
Post

من آية 183إلى188.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"183.
لما ذكر سبحانه ما كتب على المكلفين من القصاص والوصية ذكر أيضا عبادة عظيمة من العبادات التي جعلها الله - تعالى - ركنًا من أركان الإِسلام وهي صوم رمضان.
قال صلى الله عليه وسلم "بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ."الراوي : عبدالله بن عمر- صحيح البخاري .
الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام ، وهو في اللغة : الإِمساك وترك التنقل من حال إلى حال ، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله - تعالى - مخبرًا عن مريم " إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْمًا " أي : سكوتًا عن الكلام . وصوم الريح ركودها وإمساكها عن الهبوب وتقول العرب : صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة .
الصيامُ في شريعةِ الإسلامِ عِبادةٌ بدنيَّةٌ، تعني: الإمساكَ، بنيَّةِ التعبُّدِ، عن الأكْلِ والشُّربِ وغِشيانِ النِّساءِ، وسائرِ المُفطِّراتِ، مِن طلوعِ الفَجرِ إلى غُروبِ الشَّمسِ.
كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ : أي : أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة أيضًا على الأمم السابقة ، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله ، إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإسلامية .الوسيط.والدرر السنية.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: جملة تعليلةجيء بها لبيان حِكمة مشروعية الصيام فكأنه - سبحانه - يقول لعباده المؤمنين : فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم ، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من الله ، وبذلك تكونون ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه . ولا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى أداها بآدابها وشروطها ، ويكفي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال في شأن الصوم " الصَّومُ جُنَّةٌ منَ النَّارِ "الراوي : عثمان بن أبي العاص الثقفي - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح النسائي.
والجُنَّةُ الوِقايةُ والسَّترُ مِن النَّارِ وحِصْنٌ حَصينٌ مِنها في الآخِرةِ، ووِقايةٌ مِن الوُقوعِ في المنكَراتِ في الدُّنيا، وإنَّه يَقي صاحِبَه ما يُؤذيه مِن الشَّهواتِ؛ فيَنبَغي للصَّائمِ أن يَصونَ نفْسَه وصيامَه ممَّا يُفسِدُه ويَنقُصُ ثوابَه, مِن كلِّ المنكَراتِ والمعاصي.الدرر.
جُنَّةٌ :أي : وقاية . إذ في الصوم وقاية من الوقوع في المعاصي ، ووقاية من عذاب الآخرة .
فمما اشتمل عليه الصيام من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها, التي تميل إليها نفسه, متقربًا بذلك إلى الله, راجيًا بتركها, ثوابه، فهذا من التقوى. ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى, فيترك ما تهوى نفسه, مع قدرته عليه, لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان, فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم, فبالصيام, يضعف نفوذه, وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب, تكثر طاعته, والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع, أوجب له ذلك, مواساة الفقراء المعدمين, وهذا من خصال التقوى.تفسير السعدي.
"أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"184.
أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ :أي: إنَّ هذا الصِّيامَ مفروضٌ عليكم في أيَّامٍ قليلةٍ، مَحصيَّة ساعاتُها ، وهي أيَّامُ شهرِ رَمضانَ.فالله لم يفرض علينا صوم الدهر كله ولا أكثره تخفيفًا ورحمة بالمكلفين.
فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ :ثم رخص سبحانة للمريض والمسافر الفطر وذلك للمشقة في الغالب. ثم القضاء في أيام أخر إذا زال المرض, وانقضى السفر, وحصلت الراحة.
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍفَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ:أي: يجبُ على مَن استطاع الصِّيامَ ولم يصُمْ، أنْ يُقدِّمَ عن كلِّ يومٍ أفطَره فدية طعامًا لمسكينٍ. ويعني ذلك أن الإنسان مخير بين الصيام وبين الإفطار ويفدي ولا يصوم، ولكن هذا قد يكون مشكلًا لأننا قررنا أنه لا فطر إلا لعذر، مرض أو سفر، كيف يكون للإنسان المطيق له أن يترك الصوم ويفدي، نقول: نعم، يمحو الله ما يشاء ويثبِت، كان في أول ما فرض الصيام لما كانوا غير معتادين للصيام يخير الإنسان، إن شاء صام، وإن شاء فدى، والدليل على هذا قوله"وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ" فدل ذلك على أن الإنسان يطيق الصوم، فخيره الله بين الفدية وبين الصوم ولكنه قال: إن الصوم خير.

فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ :أي: مَن أطعَم أكثرَ مِن مسكين، فذلك أفضلُ من إطعامِ مسكينٍ واحدٍ عن كلِّ يومٍ أفطَره .
ثمَّ نَسَخ اللهُ عزَّ وجلَّ هذا التخييرَ في حقِّ القادِر على الصيام بقوله تعالى في الآية التي تليها : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فأوجب عليه الصومَ، وبقِي الفطرُ والإِطعامُ للعاجز عنه.
عن سلمة بن الأكوع قال"كُنَّا في رَمَضَانَ علَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، مَن شَاءَ صَامَ وَمَن شَاءَ أَفْطَرَ فَافْتَدَى بطَعَامِ مِسْكِينٍ، حتَّى أُنْزِلَتْ هذِه الآيَةُ "فمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ"البقرة:185.الراوي : سلمة بن الأكوع - صحيح مسلم -الصفحة أو الرقم : 1145.

" شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"185.
شَهْرُ رَمَضَانَ : أي: الأيَّامُ المعدودات هي شهرُ رمضانَ.
الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ : أي: الصوم المفروض عليكم, هو شهر رمضان, الشهر العظيم, الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم، وهو القرآن الكريم, المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية, وتبيين الحق بأوضح بيان, والفرقان بين الحق والباطل, والهدى والضلال, وأهل السعادة وأهل الشقاوة. فحقيق بشهر, هذا فضله, وهذا إحسان الله عليكم فيه, أن يكون موسمًا للعباد مفروضًا فيه الصيام. تفسير السعدي.
فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ : أي فمن شهد منكم دخول الشهر ، وشهوده برؤية هلاله في البلد التي هو حاضر فيها، فعلى كل من رآه أو ثبتت عنده رؤية غيره أن يصومه، هذا فيه تعيين الصيام ونَسخ التخيير بين الصيام والفدية للقادر . وبقِي الفطرُ والإِطعامُ للعاجز عنِ الصيام لمرض أو لسفر أو لأي سبب يعجزه عن الصيام .فلو كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه ، أو يؤذيه أو كان على سفر أي في حال سفر فله أن يفطر ، فإذا أفطر فعليه بعدة ما أفطره في السفر من الأيام أي يقضيها ويصوم عدد أيام ما أفطر عند زوال العذر المفطر.
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ: أي : إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر ، مع تحتمه في حق المقيم الصحيح ، تيسيرًا عليكم.
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ :وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم بأن تصوموا أيامة كاملة فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شيء من بركاته.لئلا يتوهم متوهم, أن صيام رمضان, يحصل المقصود منه ببعضه, دفع هذا الوهم بالأمر بتكميل عدته أي تكميل عدد أيام الشهر.
وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ : أي: ويُريد اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ تُكبِّرُوه، والمعنى: يُريد اللهُ شرعًا- أي: يُحبُّ- أنْ تُعظِّموه بقول: اللهُ أكبَرُ، وذلك بعد انقضاءِ شهرِ رمضانَ - ويدخل في ذلك التكبير عند رؤية هلال شوال إلى فراغ خطبة العيد.
أي: من أجْل أنْ تكونوا بتكبيرِكم اللهَ عزَّ وجلَّ، وبالقيام بغير ذلك من أنواع شكره كأداء فرائضه وترك محارمه، مِن الشَّاكرين لنِعمة اللهِ تعالى عليكم بتوفيقكم لصِيام شهرِ رمضانَ، وتيسيرِه أحكامَه عليكم
ويشكر الله تعالى عند إتمامه على توفيقه وتسهيله وتبيينه لعباده, وبالتكبير عند انقضائه.
"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"186.
قال الإِمام البيضاوي في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من آيات الصيام : واعلم أنه - تعالى - لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبة بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم ، مجيب لدعائهم ، مجاز على أعمالهم تأكيدًا له وحثًا عليه.
الله تعالى, هو الرقيب الشهيد, المطلع على السر وأخفى, يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور, فهو قريب أيضا من داعيه, بالإجابة،
ولهذا قال سبحانه : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ: فمن دعا ربه بقلب حاضر, ودعاء مشروع, ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء, كأكل الحرام ونحوه, فإن الله قد وعده بالإجابة.
قال الحافظ ابن كثير : وفي ذكره - تعالى - هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر.
"قُلْنا: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا إذا رَأيْناك رَقَّتْ قُلوبُنا، وكُنَّا مِن أهْلِ الآخِرةِ، وإذا فارَقْناك أَعْجَبَتْنا الدُّنْيا، وشَمَمْنا النِّساءَ والأوْلادَ، قالَ: "لو تَكونونَ -أو قالَ: لو أنَّكم تَكونونَ- على كلِّ حالٍ على الحالِ الَّتي أنتم عليها عنْدي لَصافَحَتْكم المَلائِكةُ بأَكُفِّهم، ولَزارَتْكم في بُيوتِكم، ولو لم تُذْنِبوا لَجاءَ اللهُ بقَوْمٍ يُذنِبونَ كي يَغفِرَ لهم"، قالَ: قُلْنا: يا رَسولَ اللهِ، حَدِّثْنا عن الجَنَّةِ، ما بِناؤُها؟ قالَ"لَبِنةٌ ذَهَبٌ، ولَبِنةٌ فِضَّةٌ، ومِلاطُها المِسْكُ الأَذفَرُ وحَصْباؤُها اللُّؤْلُؤُ والياقوتُ، وتُرابُها الزَّعْفَرانُ، مَن يَدخُلُها يَنعَمُ ولا يَبأَسُ، ويَخلُدُ ولا يَموتُ، لا تَبْلى ثِيابُه، ولا يَفْنى شَبابُه، ثَلاثةٌ لا تُرَدُّ دَعْوتُهم: الإمامُ العادِلُ، والصَّائِمُ حتَّى يُفطِرَ، ودَعْوةُ المَظْلومِ تُحمَلُ على الغَمامِ، وتُفتَحُ لها أبْوابُ السَّماءِ، ويقولُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: وعِزَّتي لَأَنْصُرَنَّك ولو بَعْدَ حينٍ "الراوي : أبو هريرة- المحدث : الوادعي- المصدر : الصحيح المسند -الصفحة أو الرقم : 2/366-خلاصة حكم المحدث : صحيح.
" ومِلاطُها المِسْكُ الأَذفَرُ " والمِلاطُ: هو التُّرابُ الَّذي يُمزَجُ بالماءِ، فيكونُ طِينًا يُستخدَمُ لِربْطِ اللَّبِناتِ بعضِها ببعضٍ؛ حتَّى يَملَأَ ما بيْنها مِن فراغاتٍ، فأخبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ هذا المِلاطَ الَّذي يكونُ بيْن لَبِناتِ الجنَّةِ يكونُ مِن "المِسكِ الأَذْفَرِ"، أي: يكونُ مَخلوطًا بالمِسكِ شَديدِ الرَّائحةِ الطَّيِّبةِ، " وحَصْباؤُها اللُّؤْلُؤُ والياقوتُ، وتُرابُها الزَّعْفَرانُ "، أي: إنَّ حصى الجنَّةِ الصَّغيرَ هو "اللُّؤلؤُ والياقوتُ، وتُربَتُها الزَّعفرانُ"، أي: إنَّ تُربةَ أرْضِها في شَكْلِها تكونُ مِن الزَّعفرانِ الطَّيِّبِ، "، مَن يَدخُلُها يَنعَمُ ولا يَبأَسُ "، أي: يكونُ مُنعَّمًا بما فيها، "ولا يَبأَسُ"، أي: لا يكونُ في شِدَّةٍ ولا يَفتقِرُ، "ويَخلُدُ"، أي: تكونُ حياتُهم حياةً أبديَّةً دائمةً، "ولا يَموتُ"، أي: لا يَفقِدون حياتَهم ولا يَفْنَون، "لا تُبْلى ثِيابُهم"، أي: إنَّ ملابِسَهم لا تكونُ مُتَّسِخةً ولا قديمةً، بلْ تكونُ جديدةً، "ولا يَفْنى شَبابُهم"، أي: إنَّ شبابَهم دائمٌ ومُستمِرٌّ لا يَتغيَّرُ، فلا يُصيبُهم الهرَمُ وكِبَرُ السِّنِّ، "ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: "ثلاثٌ"، أي: ثلاثُ أصنافٍ مِن النَّاسِ، "لا تُرَدُّ دَعوتُهم"، أي: إنَّ دُعاءَهم يكونُ مُستَجابًا ومَقبولًا، وهم: "الإمامُ العادلُ"، أي: الحاكمُ الَّذي لا يَظلِمُ النَّاسَ ويَنظُرُ في مصالِحِ رَعيَّتِه، "والصَّائمُ" الَّذي امتنَعَ عن الطَّعامِ والشَّرابِ وترَكَ الشَّهواتِ ابتغاء وجه الله، "حينَ يُفطِرُ" عندَ إفطارِه وقْتَ غُروبِ الشَّمسِ، "ودَعوةُ المظلومِ" وهو مَن اعْتُدِيَ عليهِ بغيرِ حقٍّ؛ فإنَّ دُعاءَه ودَعوتَه على مَن ظلَمَهُ، "يَرفَعُها"، أي: تَصعَدُ دَعوتُه بإذنِ اللهِ، "فوقَ الغَمامِ"، أي: السَّحابِ، "وتُفتَحُ لها أبوابُ السَّماءِ"، أي: تكونُ مَداخِلُ السَّماءِ لدَعوةِ المظلومِ مَفتوحةً، ويقولُ الرَّبُّ تَباركَ وتَعالى: "وعِزَّتي" يُقسِمُ اللهُ بعِزَّتِه الَّتي هي عظَمتُه وسُلطانُه، "لَأنصُرنَّكَ"، أي: أستَجِيبُ دُعاءَك ولا أُهْدِرُ حقَّكَ، "ولو بعدَ حِينٍ"، أي: ولو مَضى وقْتٌ طويلٌ.الدرر السنية.
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.:أي: فلينقادوا لي، ممتثِلين أوامري، ومجتَنِبين نواهيَّ، وليؤمنوا بأنِّي أُثيبهم على انقيادِهم لي، وأُجِيب دعاءَهم وتضرُّعَهم لي، من أجل إصابةَ الحقِّ بذلك، والتَّوفيقَ للعِلم النَّافع والعملِ الصالح .والمعنى : لقد وعدتكم يا عبادي بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتموني ، وعليكم أنتم أن تستجيبوا لأمري ، وأن تقفوا عند حدودي ، وأن تثبتوا على إيمانكم بي ، لعلكم بذلك تصلون إلى ما فيه رشدكم وسعادتكم في الحياتين العاجلة والآجلة . وأمرهم - سبحانه - بالإِيمان بعد الأمر بالاستجابة ، لأنه أول مراتب الدعوة ، وأولى الطاعات بالاستجابة .
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ::أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة, ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة.
"أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"187.
كان في أول فرض الصيام، يحرم على المسلمين في الليل بعد النوم الأكل والشرب والجماع، فحصلت المشقة لبعضهم، فخفف الله تعالى عنهم ذلك، وأباح في ليالي الصيام كلها الأكل والشرب والجماع، سواء نام أو لم ينم، لكونهم يختانون أنفسهم بترك بعض ما أمروا به.
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال"كانَ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا كانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أنْ يُفْطِرَ؛ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ ولَا يَومَهُ حتَّى يُمْسِيَ، وإنَّ قَيْسَ بنَ صِرْمَةَ الأنْصَارِيَّ كانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإفْطَارُ أتَى امْرَأَتَهُ، فَقالَ لَهَا: أعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قالَتْ: لا، ولَكِنْ أنْطَلِقُ فأطْلُبُ لَكَ، وكانَ يَومَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قالَتْ: خَيْبَةً لَكَ! فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عليه، فَذُكِرَ ذلكَ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ"أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ"البقرة: 187، فَفَرِحُوا بهَا فَرَحًا شَدِيدًا، ونَزَلَتْ"وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ"البقرة: 187.الراوي : البراء بن عازب - صحيح البخاري.
عنِ ابنِ عبَّاسٍ ، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ" ، فَكانَ النَّاسُ على عَهْدِ النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا صلَّوا العتَمةَ حرُمَ علَيهِمُ الطَّعامُ والشَّرابُ والنِّساءُ ، وصاموا إلى القابِلةِ ، فاختانَ رجُلٌ نفسَهُ ، فجامعَ امرأتَهُ ، وقد صلَّى العشاءَ ، ولم يُفطِرْ ، فأرادَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ أن يجعَلَ ذلِكَ يسرًا لمن بقيَ ورخصةً ومَنفعةً ، فقالَ سبحانَهُ " عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ" الآيةَ ، وَكانَ هذا مِمَّا نفعَ اللَّهُ بِهِ النَّاسَ ورخَّصَ لَهُم ويسَّرَ" الراوي : عبدالله بن عباس - المحدث : الألباني - المصدر : صحيح أبي داود - الصفحة أو الرقم : 2313 - خلاصة حكم المحدث : حسن صحيح.
لَمَّا فُرِضَ الصِّيامُ على المسلِمينَ في أَوَّلِ الأمرِ كان الوقتُ المسموحُ به للطَّعامِ والشَّرابِ والنساء هو بَعْدَ أذانِ المَغْرِبِ إلى أذانِ العِشاءِ فَقَط، وكان في ذلك مَشقَّةٌ كبيرةٌ على المسلِمينَ ، فيسَّرَ اللهُ عزَّ وجلَّ على المسلمينَ، وفَسَحَ لهم ذلك الوقتَ إلى طُلوعِ الفَجْرِ، كما جاء في هذا الحَديثِ."فاخْتانَ رَجُلٌ نَفْسَه"، أي: خان رَجُلٌ نَفْسَه، والْمُرادُ: ظَلَم نَفْسَهُ وأَقْدَم على شيءٍ قد مُنِعَ مِنْهُ، "فجامَعَ امرأتَه"، أي: وَقَعَ عليها في الوقتِ المَنهيِّ عنه، "وقد صلَّى العِشاءَ"، أي: بَعْدَ صلاةِ العِشاءِ، "ولَمْ يُفْطِرْ"، أي: ولم يَأكُلْ ولم يَشْرَبْ، وهذا إشارةٌ إلى أنَّه أتَى زوجتَه فقط، ولم يَسْتبِحْ لنَفْسِه باقيَ ما نُهي عنه."فأراد اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ يجعَلَ ذلك يُسرًا"، أي: أرادَ اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ يَجْعَلَ ما فَعَله الرَّجُلُ سببًا للتَّيسيرِ، "لِمَنْ بَقي"، أي: للمُسلِمينَ جَميعًا، "ورُخْصَةً"، أي: وتخفيفًا، "ومنفَعةً"، أي: نْفعًا وإفادةً، فأَنْزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ قولَه"أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" البقرة: 187، أي: فمَدَّ اللهُ عزَّ وجلَّ الأكلَ والشُّربَ وقُرْبَ النِّساءِ إلى طُلوعِ الفَجْرِ، وليس إلى أذانِ العِشاءِ.الدرر السنية.
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ:والمعنى : أحل الله لكم في ليالي صومكم الرفث وهوكناية عن الجماع في هذا الموضع والإِفضاء إلى نسائكم ومباشرتهن . وفي معجم اللغة معنى رفث حسب السياق:رَفَثَ في كلامه : صرَّح بكلامٍ قبيحٍ / رفَث الرَّجلُ بزوجته: جامعها، أفضى إليها. وقوله: هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ: جعل كل واحد منهما لصاحبه لباسا لأنه سكن له , كما قال جل ثناؤه "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا " الفرقان: 47 .يعني بذلك سكنًا تسكنون فيه . وكذلك زوجة الرجل سكنه يسكن إليها.
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ:
تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ : والخيانة هي انتقاص الحق على جهة المساترة . إذ تعتقدون شيئا ثم لا تلتزمون العمل به ، كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين : أحدهما جماع النساء , والآخر : المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حرامًا ذلك عليهم.
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ :تاب عليكم بأنْ أحلَّ لكم هذا الَّذي حرَّم عليكم من قبلُ، وعفا عنكم بأن محا ذنوبكم و تجاوَز عن ما سلَف من التخوُّنِ.
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ:بَاشِرُوهُنَّ : من المباشرة وأصلها اتصال البشرة بالبشرة ، وكنى بها القرآن عن الجماع الذي يستلزمها .
وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ :أي: انووا في مباشرتكم لزوجاتكم التقرب إلى الله تعالى والمقصود الأعظم من الوطء، وهو حصول الذرية وإعفاف فرجه وفرج زوجته، وحصول مقاصد النكاح. فالآن باشروهن واطلبوا من وراء هذه المباشرة ما كتبه لكم الله من الذرية الصالحة ومن التعفف عن إتيان الحرام .
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ :والمقصود من الخيط الأبيض : أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره .
والمقصود من الخيط الأسود : ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل
والمعنى : لقد أبحنا لكم مباشرة النساء في ليالي الصوم ، وأبحنا لكم كذلك أن تأكلوا وأن تشربوا في هذه الليالي حتى يتبين لكم بياض الفجر من سواد الليل .قال الإِمام الرازي " الْفَجْرِ " مصدر قولك : فجرت الماء أفجره فجرًا ، وفجرته تفجيرًا قال الأزهري : الفجر أصله الشق ، فعلى هذا الفجر في آخر الليل هو انشقاق ظلمة الليل بنور الصبح .ا.هـ.
وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ :
والاعتكاف في اللغة : الملازمة ، يقال عكف على الشيء إذا لازمه مقبلا عليه .أي ولا تباشروا النساء حال عكوفكم في المساجد للعبادة، فإن المباشرة تبطل الاعتكاف ولو ليلا كما تبطل الصيام نهار.
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا :تلك المذكورات والأحكام التي سبق تقريرها من إيجاب وتحريم وإباحة .
والحدود جمع حد ، وهو في اللغة الحاجز بين الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما في الآخر . ومنه سمي الحديد حديدًا لأنه يمنع وصول السلاح إلى البدن .و سميت الأحكام التي شرعها الله حدودًا لأنها تحجز بين الحق والباطل.
أي : تلك الأحكام التي شرعناها لكم من إيجاب الصوم ، وتحريم الأكل والشرب والجماع ونحوه من المفطرات في الصيام، وتحريم الفطر على غير المعذور، وتحريم الوطء على المعتكف، ونحو ذلك من المحرمات ، هي حدود الله التي حدها لعباده، ونهاهم عنها ولا يحل الاقتراب منها ومجاوزتها . وعبر - سبحانه - عن النهي عن مخالفة تلك الأحكام بقوله :فَلاَ تَقْرَبُوهَا - مبالغة في التحذير من مخالفتها ، لأن النهي عن القرب من الشيء يشمل النهي عن فعل المحرم بالأولى ، والنهي عن وسائله الموصلة ، والآية ترشد بقولها " فَلاَ تَقْرَبُوهَا " إلى اجتناب ما فيه شُبْهَة كما ترشد إلى ترك الأشياء التي تفضي في غالب أمرها إلى الوقوع في حرام .
والعبد مأمور بترك المحرمات، والبعد عنها غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليها.وأما الأوامر فيقول الله فيها: تلك حدود الله فلا تعتدوها – فلا تتعدوها وتتركوها بل الزموها ولا تتجاوزوها - فينهى عن مجاوزتها.

قال صلى الله عليه وسلم "الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ، ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ."الراوي : النعمان بن بشير - صحيح البخاري.
كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ:أي : مثل ذلك البيان الجامع الذي بين الله به حدوده التي أمركم بالتزامها ونهاكم عن مخالفتها ، يبين لكم آياته ، أي : أدلته وحججه لكي تصونوا أنفسكم عما يؤدي بكم إلى العقوبة ، وتكونوا ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه .فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم، ولو علم تحريمه لم يفعله، فإذا بين الله للناس آياته، لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سببًا للتقوى.
وبذلك تكون الآية الكريمة قد ختمت الحديث عن الصوم ، ببيان مظاهر رفق الله بعباده ، ورعايته لمصالحهم ومنافعهم بأسلوب بليغ جمع بين الترغيب والترهيب ، والإِباحة والتحريم ، وغير ذلك من أنواع الهداية والإِرشاد إلى ما يسعد الناس في دينهم ودنياهم .
وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن الصيام ، وما يتعلق به من أحكام ، أردف ذلك بالنهي عن أكل الحرام ، لأنه يؤدي إلى عدم قبول العبادات من صيام واعتكاف ودعاء وغير ذلك فقال – تعالى:
"وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"188.
لما كان الكلام في الآية السالفة في الصيام وأحكامه، وفيه حلّ أكل الإنسان مال نفسه في وقت دون وقت، ناسب أن يذكر هنا حكم أكل الإنسان مال غيره.

الخطاب في الآية الكريمة موجه إلى المؤمنين كافة في كل زمان ومكان.المراد بالأكل هنا الأخذ والاستيلاء بالباطل أي بغير حق
والباطل نقيض الحق.والمراد بالباطل هنا: الحرام الذي لا يجوز فعله.
وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ :والإِدلاء في الأصل : إرسال الدلو في البئر لإخراج الماء . ثم جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء؛ ومنه أدلى فلان بحجته ، أي : أرسلها ليصل إلى مراده .
والمراد بالإِدلاء هنا : الدفع والإِلقاء بالأموال إلى الغير من أجل الوصول إلى أمر معين .
والحكام : جمع حاكم ، وهو الذي يتصدى للفصل بين الناس في خصوماتهم وقضاياهم .
وردَ قوله تعالى: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ بعد قوله سبحانه: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ من باب ذِكر الخاصِّ بعد العامِّ، وفائدته: بيان شدَّة شَناعة هذه الصورة، ولأنها جامعةٌ لمحرماتٍ كثيرة.
أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم، أضافها إليهم, والأموال مضافة للجميع، فالمال ساعة يكون ملكا لك، فهو في الوقت نفسه يكون مالًا ينتفع به الغير.
إذن فهو أمر شائع عند الجميع، لكن ما الذي يحكم حركة تداوله؟ إن الذي يحكم حركة تداوله هو الحق الثابت الذي لا يتغير، ولا يحكمه الباطل.
فينبغي للمسلم أن يحترم مال الغير كما يحترم ماله الذي يخصه؛ ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة. والمراد بالأكل مطلق الأخذ بغير وجه حق.
لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ :أي ولا تلقوا بأموالكم إلى الحكام رشوة لهم فتكونون بذلك آكِلينَ طائفةً مِن أموال النَّاس بالحرامِ ، وأنتم تعلَمون أنَّكم واقِعونَ في الحرام.
*ويدخل في ذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية, أو نحو ذلك، ويدخل فيه أيضًا, أخذها على وجه المعاوضة, بمعاوضة محرمة, كعقود الربا, والقمار؛ كلها من أكل المال بالباطل, لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة, ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأُجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه ، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات, والأوقاف، والوصايا, لمن ليس له حق منها, أو فوق حقه. فكل هذا ونحوه, من أكل المال بالباطل, فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه، حتى ولو حصل فيه النزاع وحصل الارتفاع إلى حاكم الشرع, وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة, غلبت حجة المحق, وحكم له الحاكم بذلك، فإن حكم الحاكم, لا يبيح محرمًا, ولا يحلل حرامًا, إنما يحكم على نحو مما يسمع, وإلا فحقائق الأمور باقية، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة, ولا شبهة, ولا استراحة. فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة, وحكم له بذلك, فإنه لا يحل له, ويكون آكلا لمال غيره, بالباطل والإثم, وهو عالم بذلك. فيكون أبلغ في عقوبته, وأشد في نكاله. وعلى هذا فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه, لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى" وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا "تفسير السعدي.
"سَمِعَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جَلَبَةَ خِصَامٍ عِنْدَ بَابِهِ، فَخَرَجَ عليهم فَقالَ: إنَّما أنَا بَشَرٌ، وإنَّه يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضًا أنْ يَكونَ أبْلَغَ مِن بَعْضٍ، أقْضِي له بذلكَ وأَحْسِبُ أنَّه صَادِقٌ، فمَن قَضَيْتُ له بحَقِّ مُسْلِمٍ فإنَّما هي قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أوْ لِيَدَعْهَا."الراوي : أم سلمة أم المؤمنين -صحيح البخاري-الصفحة أو الرقم : 7185.
وفي رواية أخرى في صحيح البخاري"إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ."صحيح البخاري.
وفي هذا الحديثِ تروي أُمُّ سَلَمَةَ هِنْدُ بنتُ أبي أُمَيَّةَ رضِيَ اللهُ عنها، زَوْجُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتَقولُ"سَمِعَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جَلَبَةَ خِصَامٍ" والجَلَبَةُ: اختِلاطُ الأصواتِ "عندَ بابِه"، وكان في مَنزلِ أُمِّ سَلَمَةَ رضِيَ اللهُ عنها وحُجْرَتِها، وكأنَّهم أتَوا إليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليَحكُمَ بينهم، فخَرَج إليهم ليتعَرَّفَ على الخُصومةِ التي بينهما، ويقضي فيها، فقال محذِّرًا لكُلِّ واحدٍ منهما من المخاصَمةِ في الباطِلِ"إنَّما أنا بَشَرٌ"، أي: أنَّه لا يعلَمُ الغَيبَ وبواطِنَ الأمورِ إلَّا ما أطلعه اللهُ تعالى عليه، فيَجْري عليه أحكامُ البشَرِ من الخطأِ والسَّهْوِ والنِّسيانِ بطبيعتِه البشريَّةِ، ومن ذلك أنَّه قد يأتيه المتخاصِمون المدَّعِي والمدَّعَى عليه؛ ليحكُمَ بينهم، فربَّما كان أحَدُ المتخاصِمَينِ عند القاضي أحسَنَ إيرادًا للكَلامِ، وأَقْدَرَ على الحُجَّةِ والبَيِّنةِ، وأدفَعَ لِدَعوى خَصْمِه، فأظُنُّ لفصاحتِه ببيانِ حُجَّتِه أنَّه صادِقٌ، فأَقْضِي له بما زعَمَه من الحُجَجِ،"فمَن قَضَيْتُ له بحقٍّ" الذي هو في الحقيقةِ حَقُّ أخيه المسلِمِ، وسلَّمْتُه له، فلا يَستَحِلَّه؛ فإنَّه إذا أخذ ذلك الحَقَّ وهو يعلَمُ أنَّه باطِلٌ وظُلْمٌ لغيرِه، فإنه يأخُذُ شيئًا يؤدِّي به إلى النَّارِ في الآخِرةِ، فليتجَرَّأْ عليها وليأخُذْها، أو ليترُكْها لصاحِبِها؛ خشيةً لله عزَّ وجَلَّ وخوْفًا من وعيدِ النَّارِ في الآخِرةِ.الدرر السنية
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 12:15 AM


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2022 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved. تركيب: استضافة صوت مصر